|    English   |    [email protected]

الحوثيون يخنقون البحر الأحمر

الاثنين 24 مارس 2025 |منذ 6 أيام
د. محمد العرب

د. محمد العرب

لم يعد البحر الأحمر ممراً استراتيجياً فحسب، بل أصبح رهينة بيد جماعة مسلحة خارجة عن القانون، تدير حرباً غير متكافئة بأدوات رخيصة وخطيرة، وتبتز العالم من نقطة chokepoint حيوية تمر عبرها 12% من تجارة العالم….!

الحوثيون بإيعاز إيراني مباشر، حوّلوا الممرات الدولية إلى ساحة فوضى بحرية، يزرعون فيها الألغام، ويطلقون الصواريخ، ويهددون سفن الشحن، ويعلنون الحرب على الاقتصاد العالمي من دون ردع فعّال.

منذ أكتوبر 2023، نفذت الجماعة أكثر من 50 هجوماً على سفن تجارية وعسكرية، وفق تقارير مركز الأمن البحري الدولي. الهجمات الحوثية لم تكن عشوائية، بل منظمة، مدعومة بمعلومات استخباراتية وتسليح إيراني متطور، يتضمن صواريخ كروز وطائرات انتحارية مسيرة، وقوارب هجومية ذاتية التوجيه. والأخطر من ذلك، الانتقال إلى أسلوب زرع الألغام البحرية، حيث رُصد أكثر من 120 لغماً بحرياً طافياً وقاعيّاً خلال الأشهر الماضية قرب ممرات الملاحة حول الحديدة والصليف، وفق تقارير دولية. هذه الألغام تُصنع محلياً ، لكنها تحمل أثراً مدمراً ، وتعطّل الملاحة كما لو كانت صواريخ دقيقة.

هذه الجماعة، التي تتغذى على فكرة الارهاب البحري تُنفذ أجندة إيرانية توسعية على حساب الأمن الإقليمي والدولي، وتتحرك بعقلية ميليشياوية خارجة عن أي إطار قانوني أو إنساني. لا فرق لديهم بين ناقلة نفط أو سفينة غذاء أو سفينة مساعدات؛ الجميع أهداف مشروعة تحت ذريعة واهية ومخادعة اسمها (نصرة القضايا الكبرى).

الرد الأمريكي حتى الآن لا يرقى إلى مستوى التهديد. رغم إرسال حاملات الطائرات والمدمرات ضمن عملية حارس الردع ، ورغم تنفيذ أكثر من 140 ضربة ضد مواقع الحوثيين، فإن هذه القوة الصلبة لم تُحدث اختراقاً حقيقياً في وقف الهجمات أو تطويق التهديد. الواقع أن الردع الغائب شجّع الحوثيين على التمادي، وزاد من غرورهم الإعلامي وتوظيفهم السياسي لهذا التصعيد.

في المقابل، ترتفع فاتورة العالم. التأمين البحري ارتفع بنسبة تجاوزت 300%، والشركات الكبرى مثل ميرسك وحاويات CMA CGM باتت تُعيد توجيه خطوطها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما يُضيف 10-14 يوماً للرحلة الواحدة، ويُكلف الاقتصاد العالمي 3.7 مليار دولار شهرياً، حسب تقديرات منظمة التجارة البحرية الدولية.

أما قناة السويس، الشريان الأهم في الربط البحري، فقد خسرت 42% من مرور الحاويات خلال شهري يناير وفبراير فقط، وفق هيئة القناة، نتيجة مباشرة للتهديد الحوثي. هذا التأثير لم يكن ليحدث لولا وجود فراغ استراتيجي ترك الممرات الدولية رهينة في يد ميليشيا طائفية مدعومة من طهران.

المعادلة واضحة: الحوثيون يشنون حرباً اقتصادية وأمنية على العالم، ويكسبون الوقت والمكان في غياب استراتيجية حقيقية لردعهم. أما الضربات الجوية الأمريكية المتفرقة، فهي لا تزيد إلا من تعقيد المشهد، لأنها لا تُصيب البنية العميقة للتهديد، بل تمنح الحوثيين زخماً دعائياً وتلعب دوراً عكسياً في مشهد الحرب الإعلامية.

المطلوب ليس أسطولاً إضافياً ، بل كسر حلقة التمكين السياسي والعسكري لهذه الجماعة، وتجفيف منابع الدعم الإيراني في البحر. فكل تأخر في مواجهة التهديد الحوثي بجدية استراتيجية حقيقية، يجعل من البحر الأحمر نقطة انفجار قابلة للاتساع، لا للمناورة.

الحوثيون اليوم لا يُهددون اليمن فقط، بل يُخنقون البحر ويبتزون العالم. والوقت لم يعد لصياغة بيانات إدانة، بل لصياغة معادلة حاسمة تُعيد هيبة الردع… قبل أن يصبح البحر الأحمر مجرد مرآة للفوضى القادمة.