برّان برس - وحدة التقارير:
حيثما تولي وجهك في محافظة مأرب (شمالي شرق اليمن)، تجد معلمًا تاريخيًا يروي قصة ضاربة في عمق التاريخ، إلا إن الحرب المستمرّة في البلاد منذ 9 سنوات أغلقت أبوابها أمام السياحة الداخلية والخارجية.
فلم تعد مأرب، مجرّد مدينة تاريخية، بل باتت معسكرًا دفاعيًا للدفاع عن الجمهورية واستعادة الدولة، وأصبح البحث عن متنفس تحدياً يوميًا لسكان المدينة، خاصة في المناسبات والأعياد والعطل الرسمية.
رغم المعارك التي تدور في أطراف محافظة مأرب، إلا أن المدينة شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظًا في بنيتها التحتية، مع تنفيذ مشاريع تنموية وخدمية عديدة.
ومع ذلك ما تزال الحدائق والمتنفسات قليلة، ولا تلبي حاجة الكتلة السكّانية الضخمة في المحافظة، حيث استقبلت منذ العام 2015 أكثر من 2 مليون نازح، وهو ما جعل الجزر وأرصفة الطرقات مقصدًا للسكان.
خطوة ممتازة
“أم ياسمين”، نازحة بمدينة مأرب، قالت لـ“بران برس”: بصراحة رغم كل الزحمة وقلة الأماكن، إلا أن وجود الحدائق يعتبر خطوة ممتازة لمأرب. على الأقل وفروا لنا مكاناً نخرج فيه مع أطفالنا، نغير جو ولو لساعات”.
”الحدائق وإن كانت محدودة إلا أنها نجحت في جمع الناس على اختلاف ظروفهم ومستوياتهم الاجتماعية في مكان واحد، لتبقى الحديقة شاهداً على حاجة الإنسان الدائمة للفرح والأمل”
ووصفت الوضع بأنه “صعب. حرب ونزوح وضغط نفسي كبير، ولولا هذه الحدائق، كان الناس انفجروا من كثرة الهموم. مضيفة: نحتاج لأماكن كهذه تفتح مجال للناس تفرّغ الطاقة السلبية، وتشعرهم أن الحياة مستمرة مهما كانت الظروف”.
وطبقًا لأم ياسمين، فإن “هذه الحدائق، وإن كانت محدودة إلا أنها نجحت في جمع الناس على اختلاف ظروفهم ومستوياتهم الاجتماعية في مكان واحد، لتبقى الحديقة شاهداً على حاجة الإنسان الدائمة للفرح والأمل”.
ملاذ أوّل
من جانبها، قالت هدى سيف (20 عاما)، لـ“بران برس”، إن “حدائق مأرب أصبحت ملاذنا الأول والأخير للاستمتاع بفرحة العيد مع الأهل والزميلات، والهروب من الصخب، وكسر الروتين حتى في المناسبات”.
وفي أيام العيد، قالت "هدى"، إنها تجتمع مع صديقاتها على أحد المسطحات الخضراء، يصطحبن معهن مكسرات العيد، وبعض الحلويات البسيطة، ويتبادلن الأحاديث، ويلتقطن الصور التذكارية في هذه الحديقة التي تحمل في تفاصيلها البسيطة معنى الفرح والأمل.
عن شعورها في هذه اللحظات، قالت: “نحس إننا نعيش مثل كل البنات في المدن المستقرة، كل وحدة فينا تحاول تنسى همومها”.
مهد الحضارة ومقصد الزوار
تقع محافظة مأرب إلى الشرق من العاصمة صنعاء، على بعد 172 كم، وتتنوع تضاريسها بين الجبال الوديان السهول، والصحاري، وتمتد حدودها الشمالية حتى صحراء الربع الخالي.
وتحتضن مأرب، العديد من المعالم التاريخية العريقة التي تعد مهدًا للحضارة السبئية، وكانت قبل الحرب التي أعقبت اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء أواخر العام 2014، وجهة رئيسية للزوار والأهالي.
"برز ميدان الشهيد شعلان مؤخرًا كساحة مفتوحة للترفيه والاستمتاع بالمناسبات والأعياد، حيث يتجمع فيه الأصدقاء والأقارب ويلتقطون الصور التذكارية، وفق ما قاله المصوّر الصحفي إياد البريهي"
ومع تصعيد جماعة الحوثي للحرب على محافظة مأرب، توقفت الحركة السياحية بشكل شبه كامل، وفقدت معها مأرب أبرز معالمها التاريخية التي ظلت لسنوات تشكل جزءاً من هوية المحافظة ومتنفساً مهماً لسكانها وزوارها.
وإضافة إلى المعالم التاريخية، كان سد مأرب العظيم، أحد أهم المواقع السياحية التي كان يقصدها الزوّار من أنحاء اليمن، ومن دول أخرى، قبل أن تتوقف الزيارات إليه مع تصاعد الحرب التي تشنّها جماعة الحوثي على المحافظة.
جولات ملاذًا للترفيه
محدودية الحدائق وازدحامها الشدي دفع الكثير من السكان، وخصوصًا الشباب إلى البحث عن أماكن أخرى بديلة ومنها ميدان “الشهيد شعلان” في الطرف الجنوبي للمدينة.
برز هذا الميدان مؤخرًا كساحة مفتوحة للترفيه والاستمتاع بالمناسبات والأعياد، حيث يتجمع فيه الأصدقاء والأقارب ويلتقطون الصور التذكارية، وفق ما قاله المصوّر الصحفي إياد البريهي.
وقال إياد، لـ”بران برس”، ميدان شعلان، وهو عبارة عن جولة واسعة تلتقي فيها خطوط الأربعين، يشهد توافداً كبيراً لآلاف الشباب الذين يتوافدون إليه منذ صباح العيد، للترويح عن النفس، والبحث عن الأجواء العيدية التي يفتقدونها بأماكن أخرى.
وأضاف أن هذا الميدان مثل له البديل الأفضل للتنزه رغم المنتجعات السياحية والاستراحات التي تم افتتاحها بمأرب خلال السنوات الماضية، والتي تتطلب تكاليف يومية كإيجار الغرفة وغيرها من الخدمات المقدمة.
بدوره، قال زكريا حسان، إن ميدان شعلان، أصبح مقصدًا لمعظم أهالي سكان مدينة مأرب، ورغم هذا قال إن مواقع جلوس الزوار الخاصة ضيقة، ولا يستطيع الزائر أخذ مساحة من الخصوصية مع عائلته للجلوس والتخييم كما في المناطق الساحلية والجبلية.
ويشدد زكريا، على ضرورة الالتفات لهذا الجانب في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها آلاف الأسر المتأثرة بالحرب وضغوطاتها، معتبرًا إيجاد المتنفسات واجباً إنسانياً من شأنه أن يخفف قليلًا من معاناة النزوح والتهجير.
نزوح متواصل وأزمة خدمات
تحتضن مدينة مأرب والمديريات المحيطة بها نحو 2 مليون ومائتين ألف نازح، منهم 292 ألف أسرة تسكن في 208 مخيم نزوح معتمد، فيما 86% من النازحين يسكنون في تجمعات سكنية في المدن والقرى.
وطبقًا لمدير عام الوحدة التنفيذية للنازحين سيف مثنى، فإن نسبة النازحين بمأرب، تصل إلى 62% على مستوى اليمن، و76% من إجمالي النازحين بمناطق سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها.
"لتخفيف الضغط على الحدائق والمتنزهات طرح مسؤول محلي عدد من الحلول الممكنة، ومنها زيادة المساحات الخضراء بفتح أراضٍ جديدة غير مستخدمة وتحويلها إلى متنزهات. بالإضافة إلى إنشاء مناطق آمنة للأطفال، والتعاون مع المنظمات المحلية والدولية للحصول على الدعم الفني والمالي لإنشاء هذه المشاريع"
ويرى مثنى، في تصريح لـ“بران برس”، أن هذا العدد الكبير ضاعف الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة، بما في ذلك المتنفسات الترفيهية، ويزيد من التحديات في تلبية احتياجات الجميع من سكان ونازحين.
واستعرض التحديات التي تواجه النازحين مع نقص المساحات المفتوحة بسبب الازدحام السكاني والتوسع العمراني السريع، وقلة التمويل لدعم مشروعات المتنزهات والحدائق.
وأشار مثنى، إلى الحلول الممكنة، ومنها زيادة المساحات الخضراء بفتح أراضٍ جديدة غير مستخدمة وتحويلها إلى متنزهات كي توفر مرافق إضافية مثل الملاعب، وأماكن الجلوس، ودورات المياه. بالإضافة إلى إنشاء مناطق آمنة للأطفال، والتعاون مع المنظمات المحلية والدولية للحصول على الدعم الفني والمالي لإنشاء هذه المشاريع.
معالم تاريخية بلا خدمات
مبارك ناصر الباكري، قال لـ“بران برس”: نحن أبناء المحافظة، لا نملك مكاناً نذهب إليه غير هذه الحدائق المزدحمة. الحرب أغلقت كل شيء”.
وأضاف: حتى سد مأرب أهم وأجمل المعالم التي ارتبطت باسم المدينة وتاريخها لم نعد نستطيع زيارته بسبب الأوضاع الأمنية والهجمات التي تشنها جماعة الحوثي بين فترة وأخرى”.
وتابع الباكري: خياراتنا أصبحت ضيقة فيما يخص انتقاء متنزهات مناسبة لقضاء بعض الوقت، حتى المواقع الأثرية والمعالم التاريخية، مثل معبد بران/عرش بلقيس، ومعبد أوام السبئي.. لا نستطيع قضاء وقت طويل فيها لعدم وجود الخدمات كأماكن الجلوس وغيرها.
"لعبت الحرب الدور الأكبر في تفاقم المشكلة، حيث تسببت في تآكل المساحات المفتوحة وتنامي البناء العشوائي في عدد من الأحياء، ما أدى إلى القضاء على كثير من المساحات التي كان يمكن أن تتحول إلى حدائق عامة أو ساحات خضراء تخدم السكان”
وعن الحدائق، قال الباكري، إن مساحاتها محدودة وعاجزة عن استيعاب العدد الهائل من الزوار، وقال إن هذا يعكس حجم الفجوة بين احتياجات الناس وواقع المدينة التي تنمو عمرانياً بشكل متسارع.
وبرأيه فإن “هذا التحدي يضع السلطات المحلية أمام معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من المساحات العامة والسعي لإيجاد حلول.
تدخلات ملحة
المدير العام التنفيذي لصندوق النظافة والتحسين بمحافظة مأرب، محمد عطية، قال لـ“بران برس”، إن المدينة توسعت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، حتى باتت تفتقر إلى المتنفسات بشكل واضح.
وأضاف أنه “لم يكن فيها طوال الفترة الماضية سوى حدائق قليلة بالكاد تستوعب سكان الأحياء المحيطة بها”. مضيفًا أن الحرب لعبت الدور الأكبر في تفاقم هذه المشكلة، حيث تسببت في تآكل المساحات المفتوحة وتنامي البناء العشوائي في عدد من الأحياء، ما أدى إلى القضاء على كثير من المساحات التي كان يمكن أن تتحول إلى حدائق عامة أو ساحات خضراء تخدم السكان”.
وأشار إلى أن “هناك بعض المشاريع المستقبلية تشمل إنشاء متنزهات وحدائق جديدة تقوم بها السلطات المحلية”، موضحًا أنها “تهدف إلى توفير بيئة ترفيهية للسكان والنازحين، وتخفيف الضغط على الأماكن العامة الحالية”.
وبرأي عطية، فإن “الحل ليس بيد السلطة المحلية وحدها، نحن بحاجة ماسة إلى تدخلات من الجهات المانحة والمستثمرين لتبني مشاريع متنفسات وحدائق حتى نحفظ ما تبقى من المساحات”.