سَحَرَةُ الظِلّ.. جمهورية الطلاسم الحوثية

د. محمد العرب
طوال أكثر من خمس سنوات قضيتها في خطوط النار، بين المتاريس والأنقاض، لم يُدهشني وابل الرصاص بقدر ما أذهلتني تلك الطلاسم المدفونة تحت التراب، الملفوفة بخرقٍ حمراء وممهورة بدمٍ ناشف ، كنت أظن أنني أواجه ميليشيا مسلّحة، فإذا بي أمام مليشيات تُدار بالخرافة والخزعبلات وتُؤمن بالسحر أكثر من العقيدة والوطن…!
في أعماق صنعاء القديمة، حيث تتداخل روائح البخور مع صمت الجدران التي شهدت قروناً من التقلبات، تنبعث من بعض الأزقة همسات غريبة، كلمات مبعثرة من لغات منسية، وأسماء يُقال إنها تُخيف الجنّ أنفسهم. هنا، في قلب عاصمةٍ اختطفتها ميليشيا الحوثي، لا تُمارس السلطة فقط بالسلاح، بل بالرقى والتعويذات، وبكتابات على جلد غزال، وبدم ديك أسود يُسكب في منتصف الليل على رماد مدفون.
ما إن سيطر الحوثيون على صنعاء عام 2014، حتى بدأ شكل المجتمع يتبدل ليس فقط على المستوى السياسي أو الطائفي، بل الأهم من ذلك، في عمق البنية الذهنية والنفسية. فتحت سلطتهم غير المعلنة، ازدهرت أسواق السحر والشعوذة بشكل غير مسبوق، حتى أصبح لها نفوذ خفي يمتد من غرف نوم الناس البسطاء إلى مكاتب قادة الصف الأول في الجماعة. وبهذا، بات السحر ليس مجرد أداة خرافية، بل وسيلة حكم، وآلية لإدارة الولاءات والانشقاقات، وحتى لتصفية الخصوم أو تحصين القادة من (عيون الحسد والموت)…؟
في صنعاء وحدها، يُقدَّر عدد من يزاولون السحر أو الشعوذة أو من يُطلق عليهم (المعالجين الروحيين) بالآلاف، بعضهم يعمل في الخفاء، لكن الكثيرين يمارسون نشاطهم علناً ، بدكاكين مغلقة النوافذ، فيها مزيج من كتب الطلسمات، وأوعية من الدم المجفف، وأشكال مشوهة لتماثيل يُزعم أنها تمثل (سادات الجن) وتتوزع هذه المحال بشكل خاص في أحياء مثل السنينة، التحرير، وشعوب، وبعضها محمي بشكل مباشر من قبل مشرفين حوثيين يتقاضون نسباً من الأرباح.
وفي ظل الضائقة الاقتصادية وانتشار الجهل والتضليل الممنهج، يجد الناس في هذه الطقوس مخرجاً من الألم ، أو أملاً بعودة مفقود، أو انتقاماً من خائن. فتشهد الجلسات طلبات تتنوع بين (رد المطلقة) و (ربط الزوج) و (شلّ حركة العدو) بل يصل الأمر إلى طقوس استحضار جنّي يُقال إن اسمه (شمهورش اليمني) يُستخدم في الاستطلاع والتجسس. ومما يزيد المشهد قتامة أن هناك تقارير منظمات محلية تفيد بأن بعض هؤلاء (المعالجين) يعملون ضمن شبكات مرتبطة بأمن الجماعة الحوثية، ويُطلب منهم أحياناً إجراء (قراءة روحية) لشخصيات يُراد تجنيدها أو التخلص منها.
أما في صعدة، معقل الحوثيين الروحي والعقائدي، فالأمر يتجاوز السوق إلى ما يشبه (المدرسة) هناك، يتم تناقل كتب غريبة في الزوايا المغلقة، مثل (شمس المعارف الكبرى) و (منبع أصول الحكمة) ، بعض العناصر الحوثية يتلقون دروساً في كيفية استخدام الحجاب والرقى لأغراض الحماية من القصف أو الكشف عن نوايا الخصم ، وسط أجواء طقوسية تخلط الدين بالأسطورة. وقد تم رصد خطباء في بعض الجوامع في عمران وحجة يتحدثون عن (الجن المؤمن) الذي يقاتل إلى جانب المليشيات ، في مزج مريب بين الغيب والسياسة.
النساء لهنّ نصيب وافر في هذا العالم؛ فهناك مئات الحالات لمعتقلات سابقات في صنعاء يؤكدن أن الجماعة استخدمت نساء يُزعم أنهنّ )عالمات روحانيات) للتحقيق معهن، حيث يتم تهديدهن بجلب (الجن) لإصابتهن بالجنون إن لم يعترفن. وفي حي الأصبحي، رُصدت شقة تستخدمها سيدة تُلقّب بـ (أم هارون) لاستقبال النساء الراغبات في (استعادة أزواجهن) ، ويُطلب منهن إحضار شعر الضحية أو قطعة من ملابسه، ليتم تنفيذ طقوس يُدّعى أنها تُغيّر قلبه. والسؤال: من يحمي هذه الساحرة بالذات من المسائلة ؟ الجواب الصادم هو أن ابنها محمد الشامي أحد مشرفي الجماعة.
اللافت أن الحوثيين، رغم خطابهم الديني الصارم، لم يشنوا أي حملة حقيقية على هذه الظاهرة، بل على العكس، تشير بعض التحقيقات إلى وجود ساحر شخصي لكل قائد من قادتهم البارزين، يُستشار في القرارات المصيرية، ويُقال إنه يحدد أنسب توقيت للهجوم أو المفاوضات بناء على طالع القمر ومواقع الكواكب. وقد تسربت معلومات عن طقوس تجري في منتصف الليل في أماكن مغلقة، يتم فيها ترديد أناشيد بلغة غريبة، وذبح دجاجة سوداء على قطعة من الخريطة.
في إحدى الوثائق المسربة من المناطق المليشيات في حجة بعد استعادتها في ميدي وحرض ، وُجدت قائمة بأسماء مشعوذين يعملون مع جهاز الأمن الوقائي التابع للجماعة، وكان من ضمن المهام الموكلة لهم تحليل شخصية الخصم من خلال صورته فقط، ومن ثم إصدار تقرير (روحاني) عن نواياه المستقبلية! وكأن السحر تحول من خرافة إلى أداة استخباراتية.
حتى الأطفال لم يسلموا، ففي عدد من المدارس الخاضعة للحوثيين، رُصدت حالات لطلاب قُدمت لهم تمائم باسم (الحماية من الشياطين الأمريكية) لكنها في الحقيقة تحمل رموزًا سحرية تُستخدم للسيطرة النفسية. بل هناك حالات لاختفاء طلاب في ظروف غامضة في صنعاء القديمة، تبيّن لاحقاً أن أحدهم كان ضحية طقوس يُزعم أنها تقرب أحد القادة من (عالم الغيب) …!
هذه التفاصيل مشاعة في المناطق التي يسيطر عليها الانقلابيون وهي تشير إلى ان هذه الجماعة خارج حدود التاريخ والمنطق والعقل ايضا..!
انتشار هذه الظاهرة لا ينبع فقط من فراغ ديني أو معرفي، بل من منظومة متكاملة تبني الوعي الجمعي على أسس الخوف من المجهول، وتقديس الماورائيات، وتزييف الدين. الخطاب الحوثي، القائم على المظلومية الكونية، يجد في السحر أرضاً خصبة لبثّ ثقافة (العدو الخفي) و (الاختيار الإلهي) فيكون الجن أداة لتحويل الخصم إلى شيطان، والساحر رسولاً روحياً للمجاهد!
النتيجة المريعة أن الناس، بدلاً من السعي لتحسين ظروفهم، يُقادون إلى عوالم الظلال، حيث يُقال لهم إن كل فقرهم سببه عقدة مدفونة تحت التراب، وإن كل مرض في الأسرة هو عين حاسد ، وإن بقاء القائد في موقعه هو بركة من شيخ الجن الأحمر.
لا تملك وأنت تراقب هذا التداخل المخيف بين الحكم والخرافة، بين السياسة والماورائيات، إلا أن تتساءل: كيف يمكن لشعب أن ينهض بينما يُدار مصيره بطلاسم؟ كيف يمكن لبلدٍ أن يتحرر بينما تسوده سلطتان: واحدة تحمل السلاح، وأخرى تقرأ في النار وتخاطب الريح؟
تحت حكم الحوثيين، أصبح السحر اقتصاداً ، والسيطرة النفسية نظام حكم، والخزعبلات سلاحاً غير مرئي، لا يحتاج إلى ذخيرة، بل إلى جهلٍ متعمد، وإلى خضوع طوعي، وإلى رهبة من أشياء لا تُرى.
في عصر الحوثي، لا تسأل فقط عن القناصين على السطوح، بل عن السحرة في الأقبية… فهم من يقررون، أحياناً، من سيعيش ومن سيموت.