|    English   |    [email protected]

تقرير | مغامرة محفوفة بالمخاطر.. "بران برس" يسلط الضوء على مآسي سفر اليمنيين لقضاء إجازة العيد

الخميس 3 أبريل 2025 |منذ 19 ساعة
مآسي سفر اليمنيين لقضاء إجازة العيد (بران برس) مآسي سفر اليمنيين لقضاء إجازة العيد (بران برس)

أعد التقرير لـ"بران برس" - أمة الغفور السريحي:

تعد إجازة العيد فرصة لليمنيين المغتربين والمسافرين داخليًا للعودة إلى ديارهم لاحتضان عائلاتهم ومشاركتهم لحظات الفرح، إلا أن هذه الرحلة باتت اليوم مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل الحرب المستمرّة منذ 10 سنوات.

فمنذ أن اجتاحت جماعة الحوثي المصنفة عالميًا بقوائم الإرهاب العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، وتمددها نحو بقية المحافظات أغلقت العديد من الخطوط الرئيسية، واستحدثت عشرات النقاط المسلّحة على مداخل المدن الخاضعة لسيطرتها، ما جعل التنقل أكثر صعوبة وخطورة.

وطوال 10 سنوات، وجد اليمنيون أنفسهم مضطرين للسفر عبر طرق فرعية أطول مسافة وأكثر خطورة، حيث يتعرّض بعضهم للاختطافات والنهب، ويفرض عليهم دفع إتاوات، سواء المسافرين داخليًا أو المغتربين العائدين لقضاء إجازة العيد.

مغامرة خطرة

عبدالرقيب اليعيسي، طالب في كلية الإعلام، تحدث لـ“بران برس”، عن الصعوبات التي يواجهها خلال تنقله داخل البلاد، خصوصًا خلال إجازة العيد التي اعتاد اليمنيون قضاءها مع عائلاتهم وأحبّتهم، واصفًا كل رحلة بأنها “مغامرة محفوفة بالمشقة والخطر”.

ينحدر “عبدالرقيب”، من محافظة الضالع (جنوبي اليمن)، وقال لـ“بران برس”، إن الحرب دفعت بعض أفراد عائلته للنزوح إلى مدينتي دمت وقعطبة بالضالع، فيما نزح آخرون إلى صنعاء شمالًا، وإلى مدينة عدن جنوبًا.

عن معاناته في التنقل، قال: “كلما صعدتُ إلى صنعاء أو نزلتُ منها إلى الضالع، أضطر لإكمال الطريق سيرًا على الأقدام، حيث نعبر بصعوبة عبر وادٍ سحيق، وإذا كان لدينا حمولة، نستأجر حميرًا لنقلها”.

يتذكر اليعيسي، لحظات مؤلمة عاشها في رمضان الماضي، فبينما كان يستعد لاختبارات الترم الثاني في السنة الثانية بالجامعة، جاءه خبر مفاجئ بأن والده تعرض لوعكة صحية خطيرة، ليقرر على إثره السفر إلى دمت.

وأضاف: “الطريق كانت صعبه، ووصلت إلى دمت في الليل، ولكن بسبب قطع الطرق ما ينفع نسافر في الليل، كان القلق يسيطر علينا بخصوص حالة والدي الذي نُقل إلى عدن بسبب حالته الحرجة”.
وتابع مستذكرًا تفاصيل ذلك اليوم المليء بالقلق والآلام: “بعد يوم طويل من المشي على الأقدام عبر طرق وعرة، اتصل بي أخي وأخبرني بوفاة والدي. تلقيت الخبر كصاعقة، لم أستطع الوصول له إلا بعد وفاته”.

تفكك النسيج الاجتماعي

مع حلول عيد الفطر، تحدث الطالب اليعيسي، عن معاناة الكثير من اليمنيين في هذه الأيام، موضحًا أن “الكثير منهم يعزف عن العودة إلى منطقة؛ لأنه ربما لن يصل إلى أهله، بسبب التقطعات ووعورة الطريق والتكاليف الباهظة”.

ولهذا قال إن “قطع الطرقات ساهم في تفكك النسيج الاجتماعي في اليمن”. مضيفًا أن “هناك العديد من العائلات مشردة”.

ونتيجة هذا الوضع قال: “أصبحنا نعيش في وطن مشتت، فالطرق التي توصلنا إلى أحبتنا باتت طريق الموت والمجهول”.

متاهة الصحراء

من ضمن الطرق الذي يضطر المسافرون لاستخدامها كطرق بديلة شمال اليمن هي طريق الصحراء، ومنها الطريق الذي يربط صنعاء بمحافظتي الجوف ومأرب وصولًا إلى محافظة حضرموت والمهرة الحدوديتين مع السعودية وسلطنة عمان.

تصل مسافة هذا الطريق الرملي بين صنعاء ومأرب نحو 250 كيلومتراً، وتستغرق الرحلة عبره نحو 7 ساعات، في حين تمتد مسافة الطريق الاسفلتي بين المدينتين حوالي 170 كيلومتراً، ويستغرق السفر عبره 3 ساعات، وأغلقت جماعة الحوثي هذا الطريق الرسمي منذ سيطرتها على منطقة فرضة نهم والأطراف الشمالية الغربية لمأرب.

تعد الطريق الرملية التي تمتد عبر صحراء الجوف غير آمنه نسبيًا للمسافرين، حيث تفتقر للبنية التحتية والخدمات، ولا يوجد في أغلبها نقاط أمنية أو عسكرية لتأمين المسافرين ومساعدتهم.

يروي منصور علي (45 عامًا)، تجربته التي مر بها مع عائلته أثناء عودته من رحلة علاجية في القاهرة إلى منزله بمحافظة صعدة عبر صحراء الجوف.

يقول إنه دفع لأحد الأشخاص مبلغًا كي يرشدهم للخروج بأمان من طريق الصحراء، لكنه تركهم وسط الصحراء الوعرة مع غروب الشمس. مضيفًا “كنت خائف وأنا أمشي بالسيارة لا أعرف الاتجاه في الليل، والطريق كانت ترابية وحفر، والمنطقة مليئة بالألغام. كنا نتمنى أن نجد من يوجهنا للخروج من هذا الجحيم.

ظل منصور، يتخبط في الصحراء طوال الليل قبل أن يجد شخصًا آخر أنقذه من خطر محدق به. يقول: “شافنا أحد الرجال من البدو معه طقم، وكلمناه بما حصل معنا، وأننا لا نعرف الطريق وبادر لإخراجنا إلى الطريق الصحيح والحمدالله”.

طرق الموت

حميد علي، أحد سكان محافظة المحويت، كان مسافرًا إلى السعودية مع عدد من أبناء قريته للبحث عن فرصة عمل، ولم يكن أمامهم سوى السفر عبر ذلك الطريق الصحراوي باتجاه العبر والممتد إلى منفذ الوديعة الحدودي.

أثناء سفرهم، يقول إنهم تعرضوا لحادث مروري مأساوي أسفر عن وفاة اثنين من رفاقه، بينما أصيب حميد بجروح بالغة، نقل على إثرها إلى المستشفى حيث بقي فاقدًا للوعي لثلاثة أشهر في العناية المركزة.

يعاني حميد، الآن من مشاكل صحية مزمنة منها فقدان التوازن والذاكرة، قال لـ“بران برس”: “رغم أني فقدت الكثير من ذاكرتي، إلا أنني لا أستطيع نسيان لحظة الحادث أو ما عايشته مع رفاقي ذلك الوقت”. 

يصف حميد، تلك الرحلة بأنها كانت “بالنسبة لنا حياة أو موت”. مضيفًا: “في بلادك الموت بيجي لك إما بقصف أو رصاصة، ولو قررت الهروب من هذه البلاد تموت في الطريق”.

مأساة متكررة

زهور عبد الرحمن (35 عامًا) معلمة، كادت تودي بحياتها مع أطفالها الخمسة أثناء عودتها من محافظة مأرب، إلى قريتها بمحافظة ذمار (وسط اليمن)، لقضاء إجازة العيد عبر الطريق الصحراوية ذاتها. 

قالت زهور، لـ“بران برس”، إن “القرار كان بسيط زيارة للأهل، وأخذ أمي معي إلى مأرب لأنها أصبحت كبيرة ومحتاجه عناية وتكون قريبة من أولادي ويشعروا بحضورها”.

وفي طريق العودة قالت، إن “صاحب السيارة الذي كان قد أخذنا من ذمار إلى صنعاء قرر أن يختصر الطريق عبر طريق الصحراء، وكان المفترض أن نصل إلى مأرب في وقت قصير، لكننا تائهين في الصحراء تماماً”.

وأضافت: “لولا أنني أخذت بعض الفواكه والمعلبات، وإلا كنا سنموت عطشًا وجوعًا أنا وأطفالي وأمي، والحمد لله السائق عاد إلى الطريق بعد 72 ساعة”.

وطبقًا لزهور، فإن “هناك كثير من الأسر الذين يعانون من نفس الوضع، الحصار وقطع الطرق جعلت حياتنا أكثر صعوبة”، مشددةً على ضرورة إيجاد “حلول لهذه المأساة المتكررة”.

حصار وحوادث

ليست طريق الصحراء وحدها الخطرة، فالعديد من المحافظات اليمنية تعيش الحرب ويقاسي سكانها ذات الظروف، وتأتي مدينة تعز في مقدّمة المدن التي تحاصرها جماعة الحوثي منذ مطلع العام 2015.

ياسر علي، سائق شاحنة يقوم بنقل البضائع من صنعاء إلى مدينة تعز. تحدث لـ“بران برس”، عن المخاطر والصعوبات التي يقاسيها أثناء تنقله عبر الطرق الفرعية الوعرة والخطرة التي يضطر المسافرون لعبورها.

وقال: “كلما أحمل حمولة بضائع، تحصل لي حادثة في الطريق أرجع أصلح الشاحنة وأصبح مديون”.

ونتيجة لهذا الوضع قال: “تركت عملي وقررت السفر للغربة في السعودية”. واصفًا عمله داخل اليمن في ظل الحرب والحصار الحوثي على مدينة تعز بالقول: “نشقى ونتعب وما نحصل لقمة العيش الذي تعيش عيالنا”.

ورغم توقيع الأطراف اليمنية اتفاقيات برعاية الأمم المتحدة تنص بنودها فتح الطرقات والمطارات والموانئ، إلا أن جماعة الحوثي تتنصّل من تنفيذ التزاماتها خصوصًا ما يتعلق بالحصار المميت الذي تفرضه على مدينة تعز.
 

مواضيع ذات صلة